فخر الدين الرازي

196

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( إنه كان بعباده خبيراً بصيراً ) * يعنى أنه تعالى عالم بأن مصلحة كل إنسان في أن لا يعطيه إلا ذلك القدر ، فالتفاوت في أرزاق العباد ليس لأجل البخل ، بل لأجل رعاية المصالح . قوله تعالى * ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ) * هذا هو النوع الخامس من الطاعات المذكورة في هذه الآيات وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في تقرير النظم وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه هو المتكفل بأرزاق العباد حيث قال : * ( إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) * ( الإسراء : 30 ) أتبعه بقوله : * ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ) * . الوجه الثاني : أنه تعالى لما علم كيفية البر بالوالدين في الآية المتقدمة علم في هذه الآية كيفية البر بالأولاد ، ولهذا قال بعضهم : إن الذين يسمون بالأبرار إنما سموا بذلك لأنهم بروا الآباء والأبناء وإنما وجب بر الآباء مكافأة على ما صدر منهما من أنواع البر بالأولاد . وإنما وجب البر بالأولاد لأنهم في غاية الضعف ولا كافل لهم غير الوالدين . الوجه الثالث : أن امتناع الأولاد من البر بالآباء يوجب خراب العالم ، لأن الآباء إذا علموا ذلك قلت رغبتهم في تربية الأولاد ، فيلزم خراب العالم من الوجه الذي قررناه ، فثبت أن عمارة العالم إنما تحصل إذا حصلت المبرة بين الآباء والأولاد من الجانبين . الوجه الرابع : أن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظن بالله ، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم ، فالأول ضد التعظيم لأمر الله تعالى ، والثاني : ضد الشفقة على خلق الله تعالى وكلاهما مذموم . والله أعلم . الوجه الخامس : أن قرابة الأولاد قرابة الجزئية والبعضية ، وهي من أعظم الموجبات للمحبة . فلو لم تحصل المحبة دل ذلك على غلظ شديد في الروح ، وقسوة في القلب ، وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة ، فرغب الله في الإحسان إلى الأولاد إزالة لهذه الخصلة الذميمة . المسألة الثانية : العرب كانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب ، وقدرة البنين عليه